توظيف الخدمات المالية في مسقط 2026: أزمة المهارات الكامنة وراء معدل تعمين 96%
تُسجّل قطاعات البنوك في عمان واحدةً من أعلى نسب توطين القوى العاملة في دول الخليج. إذ يبلغ معدل التعمين في القطاع المصرفي 96.3%، وهو رقمٌ يبدو في ظاهره انتصارًا لسياسات التعمين. إلا أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. فوراء هذا الرقم الإجمالي تكمن فجوةٌ في الكفاءات التقنية تتّسع تحديدًا في الوقت الذي تطالب فيه الجهات الرقابية المؤسسات المالية بمستوى مهاراتٍ أعلى من أي وقتٍ مضى.
لقد رفعت هيئة سوق رأس المال إجراءات الإنفاذ بنسبة 40% في عام 2024، مستهدفةً بشكلٍ رئيسي أوجه القصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما حلّت مواعيد الامتثال لنظام بازل III بنهاية عام 2025. ومُنح ترخيصان لبنكَيْن رقميَّيْن، مما أوجد طلبًا على خبراء التكنولوجيا المالية الذين يكاد وجودهم يكون معدومًا في السلطنة. والمؤسسات المسؤولة عن تلبية هذه المتطلبات لديها عدد كافٍ من الموظفين من حيث التعداد، لكنها تفتقر إلى الموظفين المؤهلين بالمهارات المناسبة. إن الفجوة بين الامتثال العددي والامتثال من حيث الكفاءات تمثّل التوتر الجوهري في سوق الخدمات المالية في مسقط اليوم.
وفيما يلي تحليل منهجي لأسباب هذه الفجوة، ومواطن تركّزها الحادّ، وتأثيرها على الرواتب، وتفاعلها مع المنافسة الإقليمية على نفس الكفاءات، وما يجب أن تستوعبه المؤسسات التي تتولى توظيف كوادر الخدمات المالية العليا في مسقط قبل الشروع في عمليات التوظيف التالية.
مفارقة التعمين: التعداد محقَّق، والكفاءة مفقودة
يفرض البنك المركزي العماني نسبة تعمين تبلغ 96% في القطاع المصرفي. ويفيد القطاع بأنه حقق نسبة امتثال بلغت 96.3%. على الورق، تبدو السياسة ناجحة. لكن في الممارسة العملية، يخفي هذا الرقم الإجمالي تباينًا صارخًا بين الوظائف الإدارية والوظائف التقنية.
ففي مجالات النمذجة المتقدمة للمخاطر، والأمن السيبراني، والتداول الخزائني، تنخفض نسب التعمين إلى أقل من 40%. وليست هذه وظائف هامشية، بل هي بالتحديد الكفاءات التي تراقبها الجهات الرقابية الآن بدقةٍ شديدة.
تركّز فجوة الكفاءات
لا يتوزّع النقص بشكلٍ متساوٍ، بل يتركّز في ثلاثة مجالاتٍ في آنٍ واحد: تطبيق بازل III وIFRS 9، وهندسة منتجات التمويل الإسلامي، وهندسة البنوك الرقمية. وكلٌّ من هذه المجالات يتطلب معرفةً متخصصةً عميقةً تستغرق سنواتٍ لبنائها. وكلٌّ منها يخضع لآجالٍ رقابيةٍ لا تنتظر اكتمال مسارات التدريب.
وتتراوح الغرامات المفروضة على البنوك بسبب عدم الامتثال لسياسات التعمين بين 10,000 و50,000 ريال عماني. وهذا الهيكل العقابي يخلق حافزًا معاكسًا: فتوظيف مرشح محلي غير مؤهل لمنصب معقّد في نمذجة المخاطر يحقّق الحصة المطلوبة ويجنّب المؤسسة الغرامة، لكنه في الوقت ذاته يزيد من المخاطر التشغيلية في الوظيفة المصمّمة أساسًا لإدارتها. ويشير ارتفاع إجراءات الإنفاذ من قبل هيئة سوق رأس المال بنسبة 40% إلى أن عواقب هذه المقايضة قد بدأت بالفعل في الظهور.
هذا هو جوهر مشكلة المواهب في مسقط: لم تفشل سياسة التعمين من حيث التعداد، بل نجحت عدديًا وأخفقت من حيث الكفاءات. فالمقياسان يقيسان شيئين مختلفين، والفجوة بينهما هي الموطن الذي تتجلّى فيه تحديات التوظيف الحقيقية. والمؤسسات التي تتعامل مع امتثال التعمين باعتباره مرادفًا لجاهزية القوى العاملة تعرّض نفسها للعقوبات التنظيمية من جهة وللمخاطر التشغيلية من جهةٍ أخرى.
أما المؤسسات التي تتصدّى لهذا التوتر بفعاليةٍ فهي تلك التي تستثمر في مسارين في آنٍ واحد: بناء الكفاءات المحلية من خلال برامج تطوير مُنظّمة، وتأمين خبراء أجانب للوظائف التي لا تتوفر فيها المهارات المطلوبة محليًا بعدُ بأعدادٍ كافية. وإدراك أن أغلبية المرشحين المؤهلين تبقى غير مرئية لأساليب التوظيف التقليدية أمرٌ جوهري في سوقٍ بهذه القيود.
هيكلة القطاع المصرفي: تركّز القوة وضيق العمق
يبلغ إجمالي أصول القطاع المصرفي في عُمان 42.8 مليار ريال عماني حتى الربع الثالث من عام 2024، مسجّلًا نموًا بنسبة 6.2% على أساس سنوي. ويخدم القطاع 4.6 مليون نسمة عبر 18 بنكًا محليًا وأجنبيًا. وبأي مقياسٍ كان، فإن السوق مشبعٌ بالبنوك مقارنةً بحجم سكانه.
ويهيمن بنك مسقط بحصةٍ تبلغ نحو 40.2% من إجمالي أصول القطاع، إذ يمتلك 17.2 مليار ريال عماني ويُوظّف 3,174 موظفًا عبر 130 فرعًا. ويأتي البنك الوطني العماني في المرتبة الثانية بـ1,482 موظفًا وحصة سوقية تبلغ 15.3%. ويعمل بنك صحار الدولي – بعد استحواذه على HSBC عُمان في عام 2023 – بقوة عاملة تبلغ 1,200 موظف. أما بنك ظفار، الذي يخوض حاليًا محادثاتٍ للاندماج مع البنك الوطني العماني، فيعمل بـ1,100 موظف.
تأثير التركّز على المواهب
يهمّ هذا التركّز قادة التوظيف لأنه يقيّد كلًا من تجمّع المرشحين والتنقّل المهني داخل السوق. ففي مركز دبي المالي العالمي (DIFC)، يمكن لأخصائي الامتثال التنقّل بين 50 بنكًا دوليًا أو أكثر دون مغادرة المدينة. أما في مسقط، فإن قائمة أصحاب العمل الفعليين لمديرٍ تنفيذيٍّ في مجال المخاطر أو الامتثال لا تتجاوز العشرة. والنتيجة العملية هي أن أي عملية بحث عن رئيس تنفيذي للمخاطر (CRO) أو رئيس امتثال تتنافس على مرشحين من تجمّعٍ لا يتجاوز 20 فردًا مؤهلًا في السلطنة بأكملها.
ويضيف قطاع الخدمات المهنية عمقًا محدودًا. إذ يُوظّف PwC عُمان 320 موظفًا، ويعمل Deloitte عُمان بـ220 موظفًا، وKPMG عُمان بـ180 موظفًا. وتتولّى هذه الشركات معظم خدمات الاستشارات في عمليات الاندماج والاستحواذ للتكتلات العائلية التي تُشكّل العمود الفقري للاقتصاد المؤسسي في مسقط. لكن الوظائف الاستشارية التي تدعمها محكومة بنفس القيود الهيكلية التي تحدّ من البنوك. ففي سوق مسقط المالي (MSX)، لم يُدرَج سوى 31 شركة حتى أكتوبر 2024، بإجمالي قيمة سوقية 20.4 مليار ريال عماني. وظلت أحجام التداول اليومية أقل من 3 ملايين ريال عماني، ومعدّل دوران الأسهم عند 12.3%، وهو من الأدنى في دول مجلس التعاون الخليجي.
وبالنسبة لمحترفي أسواق رأس المال، فإن هذا القيد على السيولة ليس مجرد إزعاج، بل هو عامل مقيّد للمسار المهني. فمحدودية تدفّق الصفقات تحدّ من فرص التطوّر المتاحة لمصرفيي الاستثمار وأخصائيي الأوراق المالية، مما يدفع أكثر الممارسين طموحًا إلى الانتقال نحو أسواق أعلى سيولة. وهذه الهجرة تفاقم النقص القائم وتجعل كل عملية بحث عن الخدمات المصرفية وإدارة الثروات أصعب مما توحي به الأرقام الظاهرة.
مجالات النقص الثلاثة: حيث تتعطّل عمليات التوظيف
لا يُشكّل نقص المواهب في قطاع الخدمات المالية في مسقط مشكلةً عامة، بل هو ثلاث مشكلات محددة تحدث في وقتٍ واحد، ولكلٍّ منها ديناميكياتٌ وقيودٌ خاصة.
بازل III والمخاطر الرقابية
فرضت خارطة طريق القطاع المالي لهيئة سوق رأس المال الامتثال الكامل لنظام بازل III بحلول ديسمبر 2025. ومن المقرر إطلاق نظام التسويات الإجمالية في الوقت الحقيقي (RTGS) في الربع الثاني من عام 2026. ويتطلب تطبيق نهج التقييمات الداخلية المتقدمة لنمذجة مخاطر الائتمان، وتحسين نسب تغطية السيولة، ونشر بنى تحتية للتكنولوجيا التنظيمية (RegTech) في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خبراءً يجمعون بين خبرة تنظيمية دولية ومعرفة عميقة بمتطلبات هيئة سوق رأس المال.
وتستغرق عملية توظيف نموذجية لرئيس تنفيذي للمخاطر (CRO) في أحد البنوك من الفئة الأولى في مسقط ما بين 8 و12 شهرًا، في حين تُنجز نفس العملية في دبي خلال 4 إلى 6 أشهر. والفرق ليس في كفاءة العملية، بل في حجم تجمّع المرشحين القابلين للاستقطاب. فالمرشحون المؤهلون لمنصب مدير المخاطر الرئيسي الذين يجمعون بين خبرة تطبيق بازل III والتمكّن من متطلبات هيئة سوق رأس المال لا يتجاوز عددهم 20 فردًا في عُمان. ونسبة المرشحين غير الباحثين عن عمل في هذه الأدوار تتراوح بين 85% و90%. ومتوسط مدة بقاء شاغلي هذه المناصب في بنك مسقط والبنك الوطني العماني وبنك صحار الدولي يتراوح بين 4 و5 سنوات، وهم لا يتابعون لوحات الوظائف. وعمليات التوظيف المعلَنة لمناصب CRO في مسقط تحقق معدل استجابة لا يتجاوز 12%، مقارنةً بـ45% في دبي.
وهذا يجعل أساليب التوظيف التقليدية غير فعّالة وظيفيًا لأكثر الأدوار الرقابية أهمية. أسباب فشل عمليات البحث التنفيذي في سوقٍ مثل مسقط هي أسباب بنيوية وليست إجرائية. فالمرشحون موجودون لكنهم غير باحثين، ولن يستجيبوا للإعلانات.
هندسة منتجات التمويل الإسلامي
يضيف قطاع التمويل الإسلامي في عُمان طبقةً من التعقيد نادرة فعليًا في دول مجلس التعاون. إذ تلجأ البنوك الإسلامية المحلية والبنوك التقليدية التي تدير نوافذ إسلامية بانتظامٍ إلى توظيف علماء شريعة ومصمّمي منتجات من ماليزيا وباكستان بسبب عدم كفاية العرض المحلي.
وتظل عمليات التوظيف النموذجية لمنصب نائب رئيس تطوير المنتجات الإسلامية مفتوحةً من 10 إلى 14 شهرًا. وكثيرًا ما تقبل المؤسسات ترتيبات العمل عن بُعد مع علماءٍ مقرّهم في كوالالمبور بدلًا من تأمين موظفين مقيمين. وبحسب بيانات ترخيص هيئة سوق رأس المال، ظلت 14 وظيفة في مجال الإشراف الشرعي عبر الكيانات المرخّصة شاغرةً حتى الربع الثاني من 2024. والعلماء المؤهلون الحاصلون على درجات دكتوراه من الأزهر أو الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا معيّنون في العادة بمؤسسات أكاديمية أو يشغلون مقاعد متعددة في مجالس شرعية. وهم لا يشاركون في أسواق العمل النشطة، ويستلزم استقطابهم مقاربةً شخصيةً عبر شبكات مثل جمعية التمويل الإسلامي العُمانية.
وتتنافس البحرين – مقرّ هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) ومجالسها الشرعية الراسخة – مباشرةً على نفس الكفاءات، مع رواتب مماثلة وبيئة اجتماعية جاذبة لفئات سكانية معينة. فالمنافسة ليست مالية في جوهرها، بل تتعلّق بالنظام البيئي المحيط بالوظيفة.
البنوك الرقمية والتكنولوجيا المالية
وافقت هيئة سوق رأس المال على منح ترخيصَيْن لبنكَيْن رقميَّيْن في عام 2024، من بينهما Mashreq Neo واتحادٌ محلي. ومن المتوقع أن يبدآ عملياتهما في عام 2026، مما سيولّد طلبًا على ما بين 150 و200 وظيفة متخصصة في التكنولوجيا المالية. وقد خصّص بنك مسقط 25 مليون ريال عماني للبنية التحتية التكنولوجية ضمن استراتيجيته للتحول الرقمي في 2024. ويتطلب إطار العمل المصرفي المفتوح الذي أطلقته هيئة سوق رأس المال في 2025 قدراتٍ في الهجرة إلى الحوسبة السحابية، وخبرةً في إدارة واجهات برمجة التطبيقات، وهندسة امتثالٍ لم تكن البنوك العُمانية بحاجةٍ إليها من قبل.
وتشمل المهارات المطلوبة لهذه الوظائف نمذجة مخاطر الائتمان باستخدام لغتي Python وR، وهندسة البنوك الرقمية، وAI والتكنولوجيا التي تتقاطع مع الطلب من كل مراكز الخدمات المالية في المنطقة. فالخبير القادر على بناء نموذج خسارة الائتمان المتوقعة وفق المعيار الدولي للتقارير المالية 9 بلغة بايثون لديه خياراتٌ في دبي والرياض وسنغافورة ولندن. والاحتفاظ به في مسقط يتطلب عرضًا يتجاوز الراتب وحده. وديناميكيات التفاوض على المستوى التنفيذي في هذا السوق تعكس وعي المرشح بأن مهاراته قابلةٌ للنقل عبر القارات.
الرواتب: تنافسية داخل عُمان، وعُرضة للمقارنة الإقليمية
تعكس رواتب قطاع الخدمات المالية في مسقط سوقًا يقع دون دبي من حيث المستوى، لكنه تنافسي ضمن اقتصادات الخليج غير الخاضعة للضريبة. إذ لا تفرض عُمان ضريبةً على الدخل الشخصي، مما يعوّض جزئيًا فجوة الرواتب الظاهرة مع دبي.
ففي مجالات إدارة المخاطر والامتثال، يتقاضى مدير المخاطر الأول الذي يمتلك خبرةً بين 10 و15 عامًا ما بين 3,500 و5,500 ريال عماني شهريًا، أي ما بين 42,000 و66,000 ريال عماني سنويًا. ويتقاضى نائب الرئيس أو مدير إدارة المخاطر الذي يقود الوظيفة ويتبع مباشرةً لرئيس تنفيذي للمخاطر (CRO) ما بين 7,000 و10,000 ريال عماني شهريًا، بالإضافة إلى بدلات السكن والنقل. وفي مجال الاستشارات المصرفية والاستثمارات، يتقاضى محلل مشارك أول أو مدير في استشارات الاندماج والاستحواذ ما بين 4,000 و6,000 ريال عماني شهريًا. ويتقاضى نائب الرئيس أو المدير التنفيذي الذي يقود ممارسة استشارية ما بين 8,500 و12,000 ريال عماني.
وتحمل وظائف التمويل الإسلامي علاوةً خاصةً. إذ يتقاضى ضابط الامتثال الشرعي الأول ما بين 4,500 و7,000 ريال عماني شهريًا. ويتقاضى رئيس قسم التمويل الإسلامي على مستوى الإدارة التنفيذية ما بين 10,000 و15,000 ريال عماني شهريًا.
علاوة دبي وآثارها
تكشف مقارنة الرواتب الإقليمية قصة هجرة المواهب من مسقط بوضوحٍ أكبر من أي مؤشرٍ آخر. فدبي تقدم علاوةً تتراوح بين 35% و45% مقارنةً بمسقط لنفس وظائف المخاطر والامتثال. إذ يتقاضى نائب رئيس إدارة المخاطر في دبي ما بين 45,000 و65,000 درهم إماراتي شهريًا. وفوق فارق الراتب، توفر دبي تنقلًا مهنيًا أوسع عبر 50 بنكًا دوليًا أو أكثر، وترتيبات عمل هجينة أصبحت معيارًا سائدًا، ووصولًا إلى المدارس الدولية.
وبحسب تقرير ميرسر لاتجاهات التنقّل العالمي 2024، فإن المحصّلة هي أن المواطنين العُمانيين الحاصلين على مؤهلاتٍ من المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة ينتقلون بشكلٍ متزايدٍ إلى دبي. فيما يستخدم الكفاءات الأجانب في مسقط السلطنةَ كمحطةٍ انتقاليةٍ نحو وظائف في مركز دبي المالي العالمي (DIFC).
وبرزت الرياض كمنافسٍ إضافي. إذ أوجدت رؤية السعودية 2030 طلبًا قويًا على المواهب المصرفية. وتوفر الرياض علاوات رواتب تتراوح بين 20% و30% مقارنةً بمسقط، وعلاوات تعيين تصل إلى 50%–100% من الراتب الأساسي لوظائف إدارة المخاطر العليا والتمويل المؤسسي. غير أن سياسات التوطين السعودية (السعودة) تقيّد التنقّل الأجنبي. لذا، فإن الرياض أكثر تنافسيةً بالنسبة للمواطنين السعوديين، لكنها أقلّ يسرًا للكفاءات الأجنبية من الهند وباكستان ومصر الذين يشكّلون الشريحة الوسطى في القوى العاملة بالبنوك العُمانية.
وهذا الواقع الإقليمي يعني أن أي مفاوضات راتب لتعيينٍ تنفيذي في مسقط يجب أن تأخذ في الحسبان ليس فقط المعايير المحلية، بل العروض البديلة المتاحة للمرشح من دبي والرياض. فمحادثة الراتب لا تكون محليةً بحتة أبدًا. والإلمام بخيارات المرشح في الأسواق المنافسة هو ما يفصل بين إتمام التعيين وخسارته.
اندماج البنك الوطني العُماني وبنك ظفار: اضطراب قادم
يُتوقع أن يُفضي الاندماج المقترح بين البنك الوطني العُماني وبنك ظفار، الذي أُعلن عنه في مارس 2024، إلى كيانٍ تبلغ أصوله المجمعة 10.4 مليار ريال عماني. وإذا حصل على الموافقة التنظيمية، فسيُحدث الدمج فترة اضطرابٍ جوهري في سوق المواهب في مسقط تمتد من 12 إلى 18 شهرًا.
والسوابق مهمة هنا. إذ تضمّن استحواذ بنك صحار الدولي على HSBC عُمان في 2023 تكاليف دمجٍ بلغت ما بين 15 و20 مليون ريال عماني، وتخفيضاتٍ في القوى العاملة بنسبة 15%–20% في الوظائف المتداخلة. وتطبيق نطاقٍ مماثلٍ على اندماج البنك الوطني العُماني وبنك ظفار يُرجّح وقوع تسريحاتٍ كبيرة في مجالات الخدمات المصرفية للتجزئة وتشغيل الفروع والإدارات الخلفية.
لكن آثار الدمج على المواهب ليست متماثلة. إذ تتعرض الوظائف الإدارية ووظائف الفروع للتوحيد، في حين يرتفع الطلب بشكلٍ حادٍّ على الوظائف المتخصصة في إدارة الدمج، وهجرة أنظمة تكنولوجيا المعلومات، والإبلاغ التنظيمي. فالدمج لا يقلّل من الحاجة إلى خبراء الامتثال والمخاطر، بل يكثّفها، لأن الكيان الموحّد يجب أن يستوفي رقابة هيئة سوق رأس المال خلال فترةٍ تشهد تدقيقًا تنظيميًا مشددًا.
وللاندماج أيضًا آثارٌ عقارية. وبحسب تقديرات JLL، يمكن للكيان الموحّد أن يُفرج عن ما بين 80,000 و120,000 قدم مربع من المساحات المكتبية الفائضة في الشاطئ والخوير. ويأتي ذلك بينما تستوعب المدينة 85,000 متر مربع من المعروض المكتبي الجديد من الدرجة الأولى (Grade A) في حدائق الموج للأعمال ومدينة الإرافة. وقد ترتفع معدلات الشواغر، التي تبلغ أصلًا 26%–28%، إلى ما يتجاوز 30%. وسيجد المدير التنفيذي لإعادة الهيكلة أو متخصص إدارة التغيير القادم إلى مسقط للإشراف على الدمج سوقًا مشتريًا للمساحات المكتبية وسوقًا بائعًا لمهاراته. وتُجسّد هذه المفارقة الوضع العام للسوق.
وبالنسبة للمؤسسات التي تتنافس على نوع القيادة العليا للتغيير الذي يتطلبه الدمج، فإن تكلفة التعيين المؤجّل أو الفاشل خلال نافذة الاندماج لا تُقاس بأتعاب التوظيف، بل بتأخّر الدمج والمخاطر التنظيمية وتراجع الموقع التنافسي أمام منافسٍ موحّدٍ جديد.
مسار الخصخصة والطلب على أسواق رأس المال
يستهدف برنامج التنفيذ (تنفيذ) للخصخصة في السلطنة إدراج ثلاث مؤسسات حكومية في سوق مسقط المالي (MSX) بحلول 2026، من بينها هيئة شراء الطاقة والمياه العُمانية وشركات تابعة لمجموعة أسياد. وإذا نُفّذت، فقد ترفع هذه الإدراجات القيمة السوقية الإجمالية بما يتراوح بين 2 و3 مليار ريال عماني، وتمثل أبرز توسّع في نشاط أسواق رأس المال في مسقط خلال عقدٍ كامل.
وسجّل سوق مسقط المالي إدراجَيْن عامَّيْن فقط في 2024. إذ جمعت شركة خدمات التعليم العُمانية وشركة الباطنة للطاقة ما مجموعه 56 مليون ريال عماني. ولا يزال السوق الثانوي مقيدًا بمعدل دوران الأسهم البالغ 12.3%، الذي وصفته مراجعة أسواق مجلس التعاون لـ MSCI بأنه من الأدنى في المنطقة. وهذه هي البيئة التي يجب استيعاب ثلاثة إدراجات حكومية كبرى فيها.
وتتمثل آثار الطلب بشكلٍ محدد: ستُطلب فرق استشارية للاكتتابات العامة الأولية (IPO)، ومحامون متخصصون في الأوراق المالية، ومهنيون في علاقات المستثمرين، وأخصائيو مبيعات مؤسسية. وهذه وظائف يستطيع قطاع الخدمات المهنية الحالي في مسقط – الذي تهيمن عليه شركات المحاسبة الأربع الكبرى – تلبيتها جزئيًا. لكن التخصص المطلوب للإدراجات المرتبطة بالدولة يتجاوز الاستشارات المعتادة في المحاسبة والضرائب. وإيجاد محترفين يفهمون كلًا من الاستثمارات وإدارة الأصول في اكتتابٍ عامٍّ كبيرٍ مرتبطٍ بالدولة يستلزم البحث خارج السلطنة.
ويخلق مسار الخصخصة أيضًا ديناميكية لافتة بالنسبة لسوق مسقط المالي (MSX) نفسه، الذي يُوظّف حاليًا 85 موظفًا. فإذا كان السوق سيعالج إدراجاتٍ أكبر بكثير وأحجام تداولٍ أعلى، فلا بدّ من توسيع قدراته الداخلية. وتواجه هيئة سوق رأس المال، التي تُوظّف 240 موظفًا، التحدي ذاته. فالجهات الرقابية مطالبة بتوظيف الكوادر القادرة على الإشراف على النشاط الذي تروّج له بنفسها. والتنافس على استقطاب خبراء أسواق رأس المال يجري في مواجهة التنافس على المحترفين أنفسهم في القطاع الخاص.
ما يجب أن تفعله مؤسسات التوظيف في مسقط بشكلٍ مختلف
الظروف الموصوفة في هذا المقال ليست اضطراباتٍ مؤقتة، بل هي سمات بنيوية راسخة في سوق الخدمات المالية في مسقط. فسياسة التعمين لن تُخفَّف. وتطبيق بازل III لن يصبح أسهل. ودبي لن تصبح أقلّ جاذبيةً للمواطنين العُمانيين الحاصلين على مؤهلاتٍ دولية. ومسار الخصخصة سيخلق طلبًا جديدًا قبل معالجة أوجه النقص الحالية.
يجب على المؤسسات التي تُوظّف كوادر الخدمات المالية العليا في مسقط أن تتكيّف مع ثلاث حقائق.
أولًا، تتجاوز نسبة المرشحين غير الباحثين عن عمل في أهم الأدوار 85%. والإعلانات الوظيفية التقليدية تصل، في أفضل الأحوال، إلى 12% من التجمّع المؤهل. ولا يُعدّ الاستقطاب المباشر خيارًا مميزًا في هذا السوق، بل هو السبيل الوحيد الذي يصل بشكلٍ موثوقٍ إلى المرشحين القادرين على شغل مناصب رئيس تنفيذي للمخاطر (CRO) ورئيس الامتثال والقيادة في التمويل الإسلامي. ونسبة المرشحين غير الباحثين عن عمل بين المحترفين الاستشاريين المؤسسيين على مستوى نائب الرئيس وما فوق تبلغ نحو 70%، وهم ينتقلون عبر شبكات الشركاء لا عبر منصّات التوظيف.
ثانيًا، تؤدي المنافسة الإقليمية على نفس الكفاءات إلى أن السرعة باتت أكثر أهميةً مما هي عليه في الأسواق الأكبر. فعملية توظيف تستغرق 10 أشهر في مسقط تجري في مواجهة سوق تجتذب فيه دبي والرياض نفس المحترفين برواتب أعلى وعمليات أسرع. وبحلول الوقت الذي تُعدّ فيه قائمة مختصرة عبر القنوات التقليدية، قد يكون أفضل المرشحين في محادثاتٍ متقدمة في مكانٍ آخر. وديناميكيات العروض المضادة في سوقٍ بهذا الضيق حادّة، وتميل لصالح المرشح الذي يملك خياراتٍ متعددة.
ثالثًا، يتطلب إطار التعمين استراتيجيةً مزدوجة. فبالنسبة للوظائف التي توجد فيها كفاءات محلية تحتاج إلى تطوير، يجب على أصحاب العمل الاستثمار في مسارات تدريبٍ تحقق كلًا من الحصة المطلوبة ومتطلبات الكفاءة. وبالنسبة للوظائف التي لا تتوفر فيها المهارات محليًا بعدُ بشكلٍ كافٍ، يصبح من الضروري إجراء رسم خريطة المواهب لتحديد الكفاءات الأجنبية المؤهلة الراغبة في الانتقال إلى مسقط. وهذا ينطبق بشكلٍ خاصٍّ على وظائف التكنولوجيا المالية والبنوك الرقمية التي تخلقها التراخيص الرقمية الجديدة وإطار العمل المصرفي المفتوح لهيئة سوق رأس المال.
تقدّم KiTalent مرشحين تنفيذيين جاهزين للمقابلة خلال 7 إلى 10 أيام عبر مسارات المواهب المعزّزة بالذكاء الاصطناعي. ونموذجنا القائم على الدفع مقابل كل مقابلة يعني أن العملاء يدفعون فقط عندما يلتقون مرشحين مؤهلين. ومع معدل احتفاظٍ بنسبة 96% على مدى سنةٍ واحدة عبر 1,450 تعيينًا تنفيذيًا، وعلاقة عملٍ متوسطة مع العملاء تمتد لأكثر من ثماني سنوات، فإن منهجيتنا مصمّمة خصيصًا لهذا النوع من الأسواق المقيّدة التي يمثلها قطاع الخدمات المالية في مسقط عام 2026.
وبالنسبة للمؤسسات التي تتنافس على قيادة الامتثال، أو الخبرة في التمويل الإسلامي، أو كفاءات التحول الرقمي في سوقٍ تكون فيه 85% من أفضل الكفاءات غير مرئية للتوظيف التقليدي، تحدّث مع فريق Executive Search لدينا حول أسلوبنا في إدارة عمليات البحث في مسقط وعبر دول مجلس التعاون الخليجي.
الأسئلة الشائعة
ما هي أكثر وظائف الخدمات المالية طلبًا في مسقط في 2026؟
تتركّز أشدّ ثلاث فجوات في: مناصب رئيس تنفيذي للمخاطر (CRO) ورئيس الامتثال التي تتطلب خبرةً في بازل III ومتطلبات هيئة سوق رأس المال؛ وعلماء الشريعة ومصمّمي المنتجات في التمويل الإسلامي؛ والمتخصصين في البنوك الرقمية في مجالات الهجرة إلى الحوسبة السحابية، وإدارة واجهات برمجة التطبيقات (API)، وتطبيق حلول التكنولوجيا التنظيمية (RegTech). وتستغرق عمليات توظيف CRO في البنوك من الفئة الأولى عادةً من 8 إلى 12 شهرًا، وتظل وظائف تطوير منتجات التمويل الإسلامي شاغرةً من 10 إلى 14 شهرًا. وترخيصا البنكين الرقميين الجديدين من هيئة سوق رأس المال يولّدان طلبًا على ما بين 150 و200 وظيفة إضافية متخصصة في التكنولوجيا المالية.
كيف يؤثر التعمين على التوظيف التنفيذي في القطاع المصرفي؟
يفرض البنك المركزي العُماني نسبة تعمين تبلغ 96% في القطاع المصرفي، وبلغت نسبة الامتثال الإجمالية 96.3%. لكن الوظائف التقنية في نمذجة المخاطر، والأمن السيبراني، والتداول الخزائني تُظهر نسب تعمينٍ أقل من 40%. وتواجه البنوك غراماتٍ تتراوح بين 10,000 و50,000 ريال عماني لعدم الامتثال، مما يخلق ضغطًا لملء الحصص قد يتعارض أحيانًا مع الحاجة إلى الكفاءات التقنية المتخصصة. ويتطلب النهج ذو المسارين، الذي يجمع بين تطوير القدرات المحلية والبحث التنفيذي عن خبراء أجانب، تحقيق كلا المتطلبين.
كيف تقارن رواتب الخدمات المالية في مسقط بدبي؟
تقدم دبي علاوةً راتبية تتراوح بين 35% و45% مقارنةً بمسقط لنفس وظائف المخاطر والامتثال. فنائب رئيس إدارة المخاطر في مسقط يتقاضى ما بين 7,000 و10,000 ريال عماني شهريًا، في حين يتقاضى نظيره في دبي ما بين 45,000 و65,000 درهم إماراتي. لكن عُمان لا تفرض ضريبةً على الدخل الشخصي، وتكلفة المعيشة فيها أقل بكثير. وينبغي لأصحاب العمل في مسقط مقارنة عروضهم بالبدائل الإقليمية لتفادي خسارة المرشحين المدرجين في القائمة المختصرة.